الجوهري

3

الصحاح

الامام المشهور فإننا لا نرضى أن نحكم بالسبق للبندنيجي المغمور الذي لم يؤلف معجما لغويا وإنما ألف كتابا في التقفية . والمحاكاة في عمل الجوهري لعمل البندنيجي غير واردة ، ولم يدعها أحد ، ولا يمكن أن يدعيها ، فالجوهري لم يطلع هو ومعاصروه من مؤلفي المعجمات على كتاب البندنيجي ، لأنهما مغموران كما قرر الجاسر نفسه ، ومع هذا ادعى الدعوى الباطلة المردودة . فالامام الجوهري مبتكر منهجه ابتكارا ، وقد انتهى إليه ابتداء وإن ظهر في هذا العصر على يد الجاسر أن " كتاب التقفية " تقدم معجم الصحاح بزمن غير يسير . ونحن - ومعنا الحق والعلم والتاريخ والواقع - نؤكد أن الجوهري قد انتهى إلى منهجه دون أن يكون بين يديه مثال سبقه فتأساه ، وإنما انتهى إليه بعد دراسة واعية شاملة لمناهج رواد المعجمات العربية الذين سبقوه ، فهو قد رأى وعورة منهج الخليل فلم يأخذ به ، كما لم يأخذ بمنهج أبي عبيد القاسم بن سلام الذي بنى معجمه " الغريب المصنف " على المعاني والموضوعات ، ولم يأخذ بمنهج أبي عمرو بن العلاء الذي أسس معجمه المسمى " كتاب الجيم " على أوائل الكلمات متخذا ترتيب حروف الهجاء ، مبتدئا بالهمزة منتهيا بالياء ، وسبب انصرافه عن منهج أبي عمرو أن الجوهري رأى فاء الكلمة غير ثابتة في موضعها ، وكذلك الحرف الذي يليها وهو العين ، فاتخذ منهجا جديدا يخالف ما عرف من مناهج المعجمات ، وخرج عليهم بمنهج غير معروف ، وأشار الجوهري نفسه إلى منهجه في مقدمة الصحاح قائلا : " على ترتيب لم أسبق إليه ، وتهذيب لم أغلب عليه " . والجوهري صدوق ، وقوله هذا حق كله ، فهو لم ينهج نهج الفارابي في كتابه " ديوان الأدب " مع أن منهجيهما يلتقيان في بعض النقاط . وكلمة الجوهري : " على ترتيب لم أسبق إليه " تدل على أنه لم يطلع على كتاب التقفية للبندنيجي المغمور هو وكتابه ، وما دام الجوهري الإمام الحجة الثبت الصدوق يقول : إن ترتيبه لم يسبق إليه فالقول قوله ، لان الحق معه ، ولا يلتفت إلى قول الجاسر الذي لا يعرف الفارق بين المعجم وغيره . ومن آيات صدقه أن منهج الجوهري يختلف عن منهج البندنيجي اختلافا واضحا مشهودا في تأسيس كل منهما كتابه بحيث لا تخطئه عين عالم ، وسبب كل منهما في التأليف غير سبب الآخر ، فالبندنيجي أراد من تأليفه تيسير القافية على راغبيها من الشعراء ، وهو مطلب خاص بفئة من الناس هي ندرة نادرة فيهم ، وليس الشاعر الفحل المطبوع بحاجة إليه . ولهذا نجد البندنيجي حشد المادة في بابها دون مراعاة الترتيب المعجمي السليم ، فهو